قصص وحكايات

قَصَصُ أَهْلِ البَيْت(ع)

قِصَّةُ النبي(ص) مَعْ خَدِيْجَة(رض)

قِصَّةُ النبي(ص) مَعْ خَدِيْجَة(رض)

شاءت قدرة الله وحكمته أن يلتقي نور محمد(ص) بنور خديجة التي قام الدين بمالها وسيف علي(ع)، وقد بدأت معرفته بها بالتجارة معها، وليس من العيب أن يأكل النبي من عرَق جبينه وكسبِ يده، فهذا ما قام به جميع الأنبياء(ع) من قبل حيث لم يكن واحدٌ منهم عالةً على قومه أو عشيرته، وهذا ما فعله خاتم الأنبياء(ص) عندما عمل بالتجارة مع خديجة بنت خويلد رضوان الله عليها بعدما ضاق العيش واشتدت الحاجة ولم يعُد بإمكان أبي طالب أن يغطي مصاريف العائلة.
لقد تعاطى(ص) بالعمل التجاري وذلك باقتراحٍ من عمه الكريم أبي طالب(رض) الذي أرشده بالتوجه للعمل في تجارة خديجة بنت خويلد التي كانت ثرية وذات سمعة طيبة وتجارة واسعة في العرب، فأرسلت إلى النبي تطرح عليه الفكرة فقبِل بذلك وبدأ العمل معها وقد شعرت معه بالراحة لأنه كان مشهوراً بين الناس بالصدق والأمانة ولهذا لُقِّب بالصادق الأمين، وكان لهذا اللقب دورٌ كبير في إرساء قواعد الرسالة السماوية.
لقد قال أبو طالب لابن أخيه محمد(ص) ذات يوم :يابن أخي، هذه خديجة بنت خويلد قد انتفع بمالها أكثر الناس، وهي تبحث عن رجل أمين، فلو جئتَها فعرضتَ نفسَك عليها لاَسرعَتْ إليك، وفضّلَتْك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك:
ولكن إباء الرسول منعه من الإقدام بنفسه، وهذا من شِيَم الكرام، وبطريقةٍ ما علمت خديجة بذلك فأرسلت هي إليه قائلة: إني دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعِظم أمانتك وكرم أخلاقك وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك وأبعث معك غلامين يأتمران بأمرك في السفر: ووصلت رسالتها إلى نبي الله(ص) وعندما علم أبو طالب بذلك قال للرسول: إنَّ هذا رزقٌ ساقه الله إليك: وقد تمت تلك الصفقة على نحو المضاربة لا الإجارة فقد ذكر اليعقوبي أن النبي(ص) لم يكن أجيراً لأحد.
وقد تمَّ الإتفاق بين رسول الله(ص) وخديجة على العمل معها والتجارة في أموالها، وقد جنى الرسول في تلك التجارة إلى الشام أموالاً طائلة، ولدى وصولهم إلى مكة قال ميسرة(غلام خديجة) :يا محمد لقد ربحنا في هذه السفرة ببركتك ما لم نربح في أربعين سنة فاستقبل بخديجة وأبشرها بربحنا: فأسرع النبي(ص) وسبق القافلة فاستقبلته خديجة بحفاوة كبيرة، وقد غمرها السرور بحديثه عن رحلته ومكاسبه من تلك التجارة.
ونستفيد من كلام رسول الله مع خديجة أنه لم يحدّثها إلا بمسألة البيع والشراء والكسب، أما ما حصل معه من مواقف جليلة في تلك الرحلة فلقد قام ميسرة(غلام خديجة) بنقلها إلى خديجة التي عظُم الرسول في نظرها أكثر لأنها رأت فيه ما لم تره في غيره من الرجال.
لقد حدّثها ميسرة بكل ما حصل من بداية الرحلة إلى نهايتها وخاصة ما جرى بين النبي(ص) وأحد التجار الذي جادله في البيع طالباً منه أن يحلف باللات والعزى، فرد عليه(ص) بقوله: ما حلفت بهما قط، وإني لأمرُّ فأعرض عنهما: كما وأخبرها ميسرة بأن النبي جلس تحت شجرة فرآه هناك راهب كان هناك فقال لميسرة: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي: ثم سأل الراهب عن إسمه فأخبره ميسرة بذلك، فقال الراهب: هو نبيٌ، وهو آخر الأنبياء، إنه هو ومنزّلِ الإنجيل وقد قرأت عنه بشائر كثيرة:
ثم إن المال الذي جناه النبي من تلك الرحلة قد أعطاه لعمه أبي طالب ليوسع به على أهله.
وبعدما سمعت من ميسرة ما سمعت تمنّت لو يتقدم لخطبتها، ولكنه(ص) كان خجولاً جداً، وكانت السيدة خديجة(ع) من خيرة نساء قريش، فهي ذات مال كثير ونفوذ كبير، وقد تقدّم لخطبتها أكبر الشخصيات في عصرها فرفضتهم جميعاً، وفي تلك الفترة التي عمل النبي معها كانت قد رأت فيه ما لم تره في غيره من الرجال كصدق الحديث وأداء الأمانة والجرأة والحكمة وما إلى ذلك من صفات الكمال في البشر، وكذلك هو(ص) رأى فيها الزوجة والأم وشريكة الحياة التي جمعت خصالاً كريمة في عملها وشخصيتها.
لقد كانت السيدة خديجة من أعقل نساء قريش حتى أنهم كانوا يسمونها(سيدة قريش) و(الطاهرة) لشدة عفافها، فلقد رفضت كل من تقدم لخطبتها قبل الرسول(ص) إلى أن رأت منه ما رأت وسمعت عنه ما سمعت فأدركت بأنه الرجل المناسب لها ولوضعها الأخلاقي والإجتماعي رغم أنها كانت ثرية وهو فقير، ولكنها كانت تدرك بأن الغنى الحقيقي إنما هو غنى الأخلاق والأدب وليس المال.
ويذكر المؤرخون بأن السيدة خديجة هي التي طلبت الزواج من رسول الله(ص) عبر رسالة أرسلتها مع نفيسة بنت عليّة فوافق الرسول على الطلب فأرسلت وكيلها عمرو بن أسد لتحديد موعد الخطبة.
فشاور النبي أعمامه وعلى رأسهم أبو طالب الذي خطب في القوم مادحاً ابن أخيه وطالباً له الزواج منها قائلاً: وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي: ثم أجرى عقد النكاح ومهرها بأربعماية دينار، وقد تمّ ذلك الزواج المبارك الذي كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ العرب، ومن ثم في تاريخ الإسلام العظيم.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى